دعت نقابة الصحفيين، برئاسة خالد البلشي، الصحفيين والصحفيات والنقابيين السابقين والمهتمين بالشأن المهني، إلى مناقشة مفتوحة وذلك يوم السبت المقبل في الخامسة مساء، بمقر النقابة، لبحث سبل توسيع الحماية النقابية لممارسي المهنة والضوابط المؤسسية لتنظيم حقوق العاملين في المواقع الصحفية، في تحرك يأتي على خلفية الجدل الذي أثاره مقترح إنشاء كيان يجمع مؤسسات المواقع والمنصات الإخبارية.
وأوضح نقيب الصحفيين أن الدعوة تأتي في إطار دعم المهنة والدفاع عن حقوق ومصالح ممارسيها في مختلف المؤسسات، والعمل على ضمان استقرار بيئة العمل الصحفي.
وتضع الدعوة ملف صحفيي المواقع الإلكترونية مجددًا في قلب النقاش النقابي، بعد سنوات من الجدل بشأن أوضاع قطاعات من العاملين في الصحافة الرقمية الذين يمارسون العمل الصحفي بصورة منتظمة، من دون أن تشملهم بالضرورة آليات القيد والحماية النقابية القائمة.
ويأتي التحرك بعد أيام من جدل واسع داخل الوسط الصحفي، أعقب تصريحات وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان بشأن إمكانية إنشاء كيان مؤسسي يجمع المواقع والمنصات الإخبارية، ومواقف أعلنها عدد من رؤساء تحرير المواقع، من بينهم خالد صلاح، رئيس تحرير منصة "يوليو"، بشأن الحاجة إلى إطار ينظم أوضاع المؤسسات الصحفية الرقمية.
ثلاثة ملفات على طاولة النقاش
ووفقًا لدعوة النقابة، تتركز المناقشة حول ثلاثة محاور رئيسية، أولها البحث في السبل القانونية واللائحية والمهنية التي يمكن من خلالها شمول الحماية النقابية جميع من يثبت أنهم يمارسون المهنة فعليًا.
ويتعلق المحور الثاني بوضع ضوابط مؤسسية لتنظيم حقوق العاملين في المواقع الصحفية، باعتبار أن تنظيم أوضاع العاملين يمثل، وفق النقابة، مدخلًا لتنظيم المشهد الصحفي بصورة أوسع.
وشددت الدعوة على ضرورة أن يقترن أي توسع في الحماية النقابية بإجراءات عضوية صارمة تتيح التحقق من الممارسة الفعلية للمهنة وتمنع انتحال صفة الصحفي، مع توفير ضمانات في الوقت نفسه تحول دون استغلال المؤسسات للوضع الحالي في الانتقاص من حقوق العاملين لديها.
أما المحور الثالث، فيتناول ضبط الممارسات التي تنتقص من حقوق الصحفيين، بما يسمح بتوسيع سوق العمل الصحفي وفق قواعد قانونية ومؤسسية واضحة.
وأكدت النقابة في دعوتها أنها تسعى إلى الاستماع إلى رؤى ومقترحات أعضائها والمهتمين بالشأن المهني، مشددة على استمرارها في أداء دورها بوصفها المظلة النقابية المعنية بالدفاع عن المهنة والعاملين فيها.
مقترح ضياء رشوان يشعل الأزمة
وتعود بداية الجدل الأخير إلى اجتماع عقده وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، في 21 سبتمبر ، مع عدد من رؤساء تحرير المواقع الإخبارية المرخصة، ناقش خلاله المشاركون المشكلات المؤسسية والمهنية التي تواجه الصحافة الرقمية.
وخلال الاجتماع، طرح رشوان إمكانية مبادرة المواقع الإخبارية بإنشاء كيان مؤسسي تنضم إليه المؤسسات نفسها، وليس الصحفيون العاملون فيها كأفراد، بهدف التعاون في مواجهة مشكلاتها المؤسسية.
وضرب رشوان مثالًا بغرفة صناعة السينما، التي تأسست عام 1947 ضمن اتحاد الصناعات المصرية، بوصفها إطارًا يجمع المؤسسات العاملة في القطاع. وأكدت التغطيات المنشورة للاجتماع أن الطرح يتعلق بالمؤسسات، وليس بإنشاء تنظيم نقابي للعاملين.
لكن تزامن الحديث عن الكيان المقترح مع مناقشة المشكلات التي يعانيها الصحفيون العاملون في المواقع، وعدم وجود تصور تفصيلي معلن بشأن طبيعة الكيان وحدود اختصاصاته، دفع إلى تأويلات مختلفة داخل الوسط الصحفي، وفتح نقاشًا حول احتمال تداخل أدواره مع اختصاصات نقابة الصحفيين.
خالد صلاح يؤيد تنظيم المؤسسات الرقمية
وفي خضم الجدل، أعلن خالد صلاح، رئيس تحرير منصة "يوليو"، تأييده لفكرة إنشاء كيان يجمع مؤسسات المواقع الإلكترونية، معتبرًا أن وجود إطار ينظم أوضاع المؤسسات الصحفية الرقمية يمثل مطلبًا مهمًا في ظل التوسع الذي شهدته سوق الصحافة الإلكترونية.
وأشار صلاح في تصريحات لاحقة إلى وجود أعداد كبيرة من العاملين بالمواقع الإلكترونية خارج عضوية النقابة، منتقدًا القيود التي تحول، من وجهة نظره، دون انضمام قطاعات من الصحفيين العاملين بالمنصات الرقمية إلى النقابة.
وتحول النقاش بذلك من سؤال يتعلق بإنشاء كيان للمؤسسات إلى ملف أوسع يتصل بوضع العاملين داخل هذه المؤسسات، والجهة التي تتولى حمايتهم مهنيًا ونقابيًا، وشروط اعتبار العامل بالموقع الإلكتروني صحفيًا مستحقًا للحماية النقابية.
مذكرة داخل مجلس النقابة
وانتقل الجدل سريعًا إلى داخل مجلس نقابة الصحفيين، إذ تقدم محمد الجارحي، وكيل النقابة للرعاية الصحية والاجتماعية، بمذكرة إلى النقيب وأعضاء المجلس طالب فيها بمناقشة ما أُعلن عقب اجتماع وزير الدولة للإعلام مع رؤساء تحرير المواقع.
وأكد الجارحي، وفق المذكرة، أن النقابة لا تعترض على وجود إطار قانوني يمثل المصالح المؤسسية للمواقع الإخبارية، لكنه طالب في المقابل برفض أي كيان يضم الصحفيين كأفراد أو يتحدث باسمهم أو يمارس اختصاصات النقابة.
وامتد الجدل إلى وضع رشوان نفسه داخل جداول النقابة، بعدما طالب الجارحي بتطبيق القواعد الخاصة بالنقل إلى جدول غير المشتغلين على شاغلي المناصب التنفيذية التي تستلزم التفرغ، ومن بينهم وزير الدولة للإعلام، مؤكدًا أن طرحه يتعلق بتطبيق قاعدة عامة وليس باستهداف شخص بعينه. ويظل هذا الطلب موقفًا مقدمًا من عضو بمجلس النقابة، وليس قرارًا صادرًا عن المجلس.
البلشي: العاملون مكانهم النقابة
وفي محاولة للفصل بين الملفات المتداخلة، قال نقيب الصحفيين خالد البلشي إن المقترح المتعلق بالمواقع الإلكترونية يجب التمييز فيه بين تنظيم يمثل ملاك المؤسسات وبين التنظيم النقابي الذي يحمي العاملين.
وأوضح أن إنشاء اتحاد أو كيان يجمع الملاك لا يعني أن يحل محل نقابة الصحفيين في تمثيل العاملين، مؤكدًا أن مكان العاملين الطبيعي هو النقابة، وأن النقاش المطلوب يتعلق بكيفية توسيع مظلة الحماية لتشمل الصحفيين الحقيقيين العاملين في المواقع الإلكترونية وفق ضوابط مهنية واضحة.
وكان البلشي قد أثار الملف نفسه قبل الجدل الأخير، مؤكدًا في أغسطس/آب الماضي أن أزمة قيد العاملين في المواقع الإلكترونية تستوجب نقاشًا جادًا داخل الجماعة الصحفية بشأن مد الحماية النقابية إلى قطاعات من ممارسي المهنة المحرومين منها.
قانون يعود إلى ما قبل الصحافة الرقمية
ويكشف الجدل الحالي عن فجوة بين التحولات التي شهدتها صناعة الصحافة وبين الإطار القانوني الذي يحكم عضوية نقابة الصحفيين. حيث أنشىء قانون النقابة رقم 76 لسنة 1970 صدر قبل عقود من ظهور المواقع والمنصات الرقمية، بينما اتسعت خلال السنوات الماضية مساحة الصحافة الإلكترونية وأصبحت جزءًا أساسيًا من سوق العمل الصحفي.
في المقابل، اعترف قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 بالصحافة والمواقع الإلكترونية ضمن المنظومة القانونية المنظمة للصحافة. ويشترط القانون أن يكون لكل صحيفة أو موقع إلكتروني رئيس تحرير مسؤول وعدد من المحررين المسؤولين، كما يشترط قيد رئيس التحرير والمحررين المسؤولين في جدول المشتغلين بنقابة الصحفيين.
فيما يؤكد يحيى قلاش، نقيب الصحفيين الأسبق، إن قانون نقابة الصحفيين الحالي لا يحول دون قيد العاملين في المواقع الإلكترونية، معتبرًا أن ضم الصحفيين الإلكترونيين لا يحتاج، وفق قراءته، إلى تعديل القانون.
وأوضح قلاش في تصريحات صحفية أن القانون استخدم تعبير "الصحف المطبوعة ووكالات الأنباء المصرية والأجنبية العاملة في مصر"، وليس "الصحف الورقية"، وهو ما يراه دليلًا على أن النص لم يحصر الممارسة الصحفية في وسيط واحد، وإنما اعترف بتعدد وسائل ووسائط العمل الصحفي.
وأضاف أن التحدي الحقيقي يتمثل في وضع ضوابط مهنية واضحة تضمن قيد الممارسين الفعليين للمهنة والعاملين في مؤسسات حقيقية تربطهم بها علاقات عمل موثقة، محذرًا من أن تجاهل التحولات التي شهدها سوق الصحافة قد يؤدي إلى انفصال النقابة عن واقع المهنة وتطور أدواتها.
من يمثل صحفيي المواقع؟
يتجاوز الخلاف القائم الآن مسألة الاسم الذي سيحمله الكيان المقترح أو الشكل القانوني الذي يمكن أن تتخذه مؤسسات الصحافة الرقمية. فالقضية الأساسية أصبحت تتعلق بمن يمثل الصحفيين العاملين في هذه المؤسسات، وكيف يمكن توفير حماية مهنية واجتماعية وقانونية لهم، وفي الوقت نفسه وضع معايير تحول دون فتح باب القيد أمام غير الممارسين للمهنة.
ويرى البلشي في تصريحات صحفية له، أن النقاش بشأن إدخال الصحفيين الإلكترونيين تحت مظلة النقابة يرتبط بمستقبل المهنة نفسها، مشيرًا إلى أن قطاعًا من أعضاء الجمعية العمومية للنقابة يعمل بالفعل في المواقع الإلكترونية، وأن تغير أدوات النشر يفرض إعادة النظر في آليات التنظيم والحماية.
ومن هنا تأتي مناقشة 3 أكتوبر باعتبارها محاولة لنقل الأزمة من سجال بشأن "كيان مواز" إلى نقاش أوسع بشأن مستقبل التنظيم النقابي للصحافة الرقمية، وحدود العلاقة بين حقوق المؤسسات وحقوق العاملين داخلها.
وبين حق أصحاب المواقع في إنشاء أطر تدافع عن مصالح مؤسساتهم، وحق الصحفيين العاملين فيها في الحصول على الحماية النقابية، تواجه الجماعة الصحفية سؤالًا ظل مؤجلًا لسنوات: كيف يمكن تحديث قواعد تنظيم المهنة بحيث تستوعب التحول الرقمي، من دون إضعاف نقابة الصحفيين أو ترك آلاف الممارسين الفعليين للعمل الصحفي خارج مظلتها؟


