في تطور جديد، قرر مجلس نقابة الصحفيين إحالة مشروع لائحة القيد الجديدة وميثاق الشرف الصحفي إلى الجمعية العمومية المقرر عقدها في مارس 2027، مع فتح باب النقاش المجتمعي حولهما قبل إقرارهما. كما شكّل لجانًا لمراجعة الصياغة النهائية ووضع توصية بعدم تعديل قانون النقابة إلا عبر جمعية عمومية مكتملة النصاب.
وكانت الساحة الصحفية شهدت في الفترة الأخيرة نقاشات واسعة حول إقرار لائحة القيد وميثاق الشرف الصحفي، في إطار السعي لتطوير المهنة ومواكبة التغيرات التي يشهدها العمل الإعلامي. وبين هذه المقترحات، تبرز مجموعة من الآراء المختلفة بين أعضاء الجمعية العمومية ومجلس النقابة، خاصة فيما يتعلق بشروط العضوية وبعض المفاهيم المطروحة داخل الميثاق. ويستعرض هذا التقرير أبرز هذه النقاشات، وما تثيره من تساؤلات حول واقع الممارسة الصحفية وتنظيمها.
بدأت النقاشات بدعوة من نقيب الصحفيين خالد البلشي إلى عقد جلسة نقاشية موسعة بمقر النقابة لمناقشة اللائحة الجديدة المقترحة للقيد، إلى جانب ميثاق الشرف الصحفي، وذلك في إطار تطوير منظومة العمل الصحفي وتعزيز الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، تمهيدًا لعرضهما على الجمعية العمومية لإقرارهما.
وبحسب ما نُشر على الصفحة الرسمية لنقابة الصحفيين، تركز التعديلات المقترحة على تحديث ضوابط وشروط العضوية بما يتماشى مع تطورات المهنة، وتسهيل إجراءات القيد، وتوضيح الحقوق والواجبات، مع تعزيز الرقابة على ممارسة المهنة بما يحافظ على جودة العمل الصحفي.
كما تناولت الجلسة مقترح تحديث ميثاق الشرف الصحفي، الذي أُعد لمواكبة المستجدات التكنولوجية والاتساق مع الإطار التشريعي المنظم للعمل الإعلامي، بهدف ترسيخ القيم المهنية، خاصة في ظل الجدل حول التغطيات الصحفية للقضايا الحساسة، وعلى رأسها قضايا الطفل.
الإطار القانوني لصلاحيات النقابة
يثير الجدل حول اللائحة والميثاق تساؤلات بشأن صلاحيات مجلس النقابة في إقرارهما. وفي هذا السياق، قال الصحفي أحمد قنديل في منشور على "فيسبوك"، "نصت المادة 47 من قانون نقابة الصحفيين 76 لسنة 1970، على عدة اختصاصات أصيلة لمجلس النقابة تجيز تمرير قرارات القيد وقرارات تنظيم شئون المهنة الواردة في لائحة القيد وميثاق الشرف، حيث منحت في نصوصها اختصاصات العمل على تحقيق أغراض النقابة، وهو ما يتفق مع نص قرار الجمعية العمومية في 2 مايو 2025 بشأن لائحة القيد وكذلك توصيات المؤتمر السادس بشأن ميثاق الشرف، كما نصت على اختصاص المجلس بالإشراف على جداول العضوية، بينما لم يتضمن أي نص آخر أو حظر إقرار تلك القواعد من المجلس".
وتابع: "كذلك قرار الجمعية العمومية في 2 مايو 2025 الذي جاء منصوصه على النحو التالي: "تكلف الجمعية العمومية مجلس النقابة باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ قرارات وتوصيات المؤتمر العام السادس للصحفيين، الذي عقد في الفترة من 14 إلى 16 ديسمبر الماضي، وذلك خطة عمل لإصلاح أوضاع المهنة.. وهو ما يتوافق مع إقرار ميثاق الشرف الصحفي وفقًا لتوصيات المؤتمر."
وأضاف: "النقيب المنتخب يمثل موقعه رئيسًا للجمعية العمومية وفق لنص المادة 52 من قانون النقابة.. وهو ما يشير لصلاحية المجلس المنتخب لاتخاذ الإجراءات اللازمة نيابة عن الجمعية العمومية في حال عدم انعقادها".
من جانبها، أشارت الصحفية وعضوة الجمعية العمومية شيماء حمدي لـ"نقابة ميتر"إلى أن مجلس نقابة الصحفيين لديه صلاحية إقرار اللوائح والمواثيق، وأي حديث عن خروج المجلس عن صلاحياته غير صحيح، فمعظم لوائح القيد داخل النقابة أُقرت من خلال المجلس بما فيها التعديلات على لائحة القيد التي أُصدرت في فترة تولي النقيب يحيى قلاش.
في السياق ذاته، قال الصحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين السابق "أبو السعود محمد" لـ"نقابة ميتر" إن "أي لائحة أو ميثاق يجب أن يُعرض على الجمعية العمومية لإقراره، لكن مجلس النقابة يقول إنه في حالة عدم اكتمال الجمعية العمومية وحضورها سيتم إقرار اللائحة والميثاق من مجلس النقابة وهو ما يخالف القانون، فاللائحة والميثاق يجب أن يتم عرضهما في حضور الجمعية العمومية والتي بدورها تقرهما أو ترفضهما أو تطالب بالتعديل".
الجدل حول لائحة القيد
برزت شروط القيد كأحد أهم نقاط الجدل، خاصة ما يتعلق بأوضاع بخريجي التعليم المفتوح. ومنعهم من الانتساب للنقابة.
وفي هذا السياق، قالت "شيماء حمدي" ل"نقابة ميتر"، إنها ترى أن منع انتساب خريجي التعليم المفتوح لنقابة الصحفيين يعد تمييزا ضد فئة من المجتمع الذين يُجبرون على الخروج من التعليم لعدم القدرة على الإنفاق، وهو ما يخالف المادة 53 من الدستور والتي تنص على عدم التمييز.
واستطردت: "القرار في النهاية هو قرار جمعية عمومية، وبالتالي لا يمكن الرجوع إلا بقرار آخر من الجمعية العمومية، والمجلس يقع على عاتقه تنفيذ قرارات الجمعية العمومية لكونها السلطة الأعلى".
فما قال "أبو السعود" إن اللائحة والميثاق غير مناسبين مع آمال وطموحات الجمعية العمومية، ويرجع ذلك إلى أن اللائحة تكرر نفس البنود القديمة ما عدا بندين، أحدهما يتعلق بالشمول المالي، وهو ما طلبت لجنة الوعي النقابي توضيح معناه للصحفيين وأصحاب المؤسسات. كما طالبت اللجنة توضيح هل الحد الأدني المذكور بالمادة هل هو الأساسي أم الشامل.
وأضاف أبو السعود: "المادة الثانية هي المادة الخاصة بالتعليم المفتوح وتقسيمه إلى التعليم الفتوح ما بعد الثانوية العامة والتعليم المفتوح ما بعد الدبلومات، ورفض التعليم المفتوح بعد الدبلومات وقبول التعليم المفتوح بعد الثانوية العامة، فكان من الأولى رفض أو قبول انتساب خريجي التعليم المفتوح بشكل عام دون تقسيم. ولكن في الأساس تعد هذه المادة مخالفة للقانون الذي ينص على أن يكون المتقدم للقيد حاصل على مؤهل عال دون تفرقة، وبالتالي فإن نقابة الصحفيين تقبل جميع المؤهلات العليا بخلاف نقابة المحامين".
وتساءل عضو مجلس نقابة الصحفيين السابق: "هل الهدف من المادة هو منع الحاصلين على الدبلومات أم منع خريجي التعليم المفتوح، وهل الهدف هو قياس قدرات الصحفي الحقيقية أم الأخذ بمؤهله فقط".
وشدد على أن هناك مواد أخرى باللائحة تحتاج إلى توضيح وتفسير حتى تتضح للجمعية العمومية المتقدمين للجنة القيد.
"كود الجندر".. محور جدل واسع
كان لإدراج "كود الجندر" في ميثاق الشرف الصحفي النصيب الأكبر من الجدل الدائر داخل أروقة نقابة الصحفيين.
ترى "شيماء حمدي" إن الجدل الدائر حول "كود الجندر" يفرغ الهدف الأساسي من مضمونه، حيث إن الهدف من كود للجندر داخل ميثاق الشرف الصحفي هو وضع قواعد لكتابة صحفية مهنية وأخلاقية تبتعد فيها عن التمييز والعنصرية وخطاب الكراهية.
وأشارت إلى أن مصر وقعت على اتفاقيات تتعلق بالمرأة والنوع الاجتماعي، ومن الطبيعي أن تسعى المؤسسات في مواثيق الشرف الخاصة بها إلى إدماج مثل هذه الأكواد، وخصوصا نقابة الصحفيين التي تضع في أولوياتها الالتزام بالمعايير والضوابط المهنية.
وقالت عضوة الجمعية العمومية إن الاعتراضات على إدماج كود الجندر في ميثاق الشرف الصحفي جاءت إما عن سوء فهم أو لمجرد الاعتراض، والدليل على ذلك هو أن كافة التقارير المصرية الرسمية التي تخرج من الوزارات، بما في ذلك تقارير وزارة التعاون الدولي والمجلس القومي للمرأة ووزارة العمل، والتي تُترجم للغة الإنجليزية تتضمن كلمة "الجندر"، حيث إن كلمة النوع الاجتماعي ترجمتها في الأساس "جندر"، ما يعني أن القيادة الرسمية تستخدم مصطلح الأدوار الاجتماعية.
وشدت على أن تغيير مصطلح "جندر"، سواء إلى النوع الاجتماعي أو المساواة وعدم التمييز، لا خلاف عليه طالما أن البنود التي تقع تحت المصطلح تعزز قيم المساواة وعدم التمييز، لكونها بالغة الأهمية.
في المقابل، أكدت الدكتورة سها ناشد، وزيرة الهجرة السابقة ورئيس وفد مصر الأسبق إلى مفاوضات الأمم المتحدة ومنظمة المرأة، رفضها التام لاستخدام مصطلح "الجندر" (النوع الاجتماعي)، محذرة من إدراجه ضمن ميثاق الشرف الصحفي.
وفي رد رسمي على استفسار طرحه الكاتب الصحفي صفي الدين دياب بشأن جواز تضمين الميثاق بابا خاصا بـ"كود النوع الاجتماعي"، أوضحت "سها ناشد" أن الدولة المصرية تعتمد في وثائقها الرسمية على تصنيف الذكر والأنثى فقط. وأضافت أن مصطلح "الجندر" يُعد دخيلا لغويا وغير محدد التعريف بشكل دقيق، ويُستخدم أحيانًا للإشارة إلى مفاهيم متعددة تسعى بعض الجهات إلى تقنينها دون توافق واضح حولها.
من جانبه، قال الصحفي "أبو السعود محمد": "أما فيما يتعلق بميثاق الشرف الصحفي، فهو يتسم بكونه طويل جدا ويحتوي على بعض البنود المكررة خاصة فيما يتعلق بكود النوع الاجتماعي "الجندر"، وهو ما ذٌكر تقريبا 4 مرات، مرة في الالتزامات ومرة في المبادئ العامة ومخصص له فصل آخر، وهو ما أثار انتباه مجموعة من الزملاء أعضاء الجمعية العمومية".
وتابع: "يرى الزملاء المتابعين للحركة الغربية فيما يتعلق بالجندر وتفسيرات المصطلح المختلفة، سواء في الدول الغربية أو من خلال نظرة المجتمعات الأخرى للمصطلح، أن هناك بعض التفسيرات تسبب لغطا لا يتقبله المجتمع المصري أو مجتمع الدول العربية، وهو ما يحيد بنا عن الثقافة المصرية".
وأضاف: "طرحنا تغيير مصطلح "الجندر" كونه لا يتماشى مع المجتمع المصري وقيمه، ونضيف مصطلحات أخرى تتماشى مع الثقافة والأعراف المصرية وتهدف إلى المساواة في التعامل بين المرأة والرجل، وألا يتم التمييز بينهما على أساس الحقوق والواجبات أو في التفكير أو رؤية المجتمع له، وهو ما يتماشى مع القيم المجتمعية وأيضا مع الهدف من ميثاق الشرف الصحفي".
وأشار إلى أن مجلس النقابة استبدل مصطلح الجندر بالمساواة وعدم التمييز. ومع ذلك، رأى بعض الزملاء أن إجراء تعديلات على ميثاق الشرف الصحفي لأكثر من مرة يؤكد أنه يحتاج إلى صياغة تختص بها لجنة من كبار الصحفيين والمهتمين بالعمل النقابي والعمل الصحفي والمتابعين للمواثيق السابقة مثل ميثاق 1998 والمواثيق الأخرى مثل ميثاق نقابة الإعلاميين.
انتقادات تتعلق بصياغة الميثاق
وكانت لجنة الوعي النقابي أصدرت بيانا طالبت فيه مجلس نقابة الصحفيين بكشف ملابسات ما وصفته بـ"التشابه الواضح" بين مشروع ميثاق الشرف الصحفي المعروض على الجمعية العمومية، وأحد التقارير المنشورة على صفحة المركز الإقليمي للحقوق والحريات، خاصة فيما يتعلق ببنود "كود الجندر" والفصل الخاص بالذكاء الاصطناعي. ودعت اللجنة إلى تقديم توضيح صريح بشأن طبيعة هذا التشابه، وما إذا كان ناتجًا عن اعتماد مباشر على التقرير أو الاسترشاد به دون إعلان، بما يضمن حق الجمعية العمومية في مناقشة نص واضح المصدر والمرجعية.
وأكدت اللجنة أنها لا تعارض في الأصل الاستفادة من أطروحات الجهات المختلفة بشأن تطوير العمل الصحفي، إلا أن ما تم رصده من مواضع نقل شبه حرفي يثير، بحسب البيان، مخاوف جدية تتعلق بمنهجية إعداد الميثاق واستقلالية النقابة في صياغة مواثيقها المهنية. وأشارت إلى أن عرض نصوص يُشتبه في نقلها دون اجتهاد مهني أو إعادة صياغة يعكس خصوصية الواقع الصحفي المصري يعد أمرا غير مقبول، مطالبة بوقف مناقشة المشروع بصيغته الحالية، وإتاحة المسودات ومصادرها بشفافية، وفتح حوار مهني موسع يفضي إلى صياغة ميثاق يعبر عن إرادة الجمعية العمومية.
استجابة النقابة والتطورات الأخيرة
يذكر أن مجلس نقابة الصحفيين استجاب للنقاشات الدائرة حول ميثاق الشرف الصحفي، وأعد نسخة معدلة من الميثاق، تأخذ في الاعتبار الملاحظات والتوصيات المطروحة من الزملاء، وتم نشرها على الصفحة الرسمية للنقابة على "فيسبوك"، وكذلك الاتفاق على إعادة صياغة عدد من بنود لائحة القيد، قبل إعادة عرضهما على الجمعية العمومية طبقا لمواد 34، و35، و47 من قانون نقابة الصحفيين.
وجاء في الباب المُعدل الخاص بـ"كود المساواة ومنع التمييز":
تعتبر قضايا المساواة بين المواطنين من القضايا الحساسة والبالغة الأهمية في المجتمع، وتلعب وسائل الإعلام دورًا حاسمًا في تشكيل الرأي العام حول هذه القضايا، ولضمان تغطية منصفة ومسئولة لهذه القضايا، يجب على الصحفيين الالتزام بالقواعد والمعايير التالية:
* تمثيل متساوٍ: يجب أن تتم التغطية الإخبارية بشكل متساوٍ للجميع في الأخبار بغض النظر عن الدين، أو الجنس أو اللغة أو العرق.
* تجنب الصور النمطية السلبية: يجب تجنب تعزيز الصور النمطية للمواطنين بمختلف فئاتهم في الأخبار.
* التعامل مع الإنجازات: يجب عكس إنجازات النساء والرجال على حد سواء، وتجنب التركيز على الأدوار التقليدية لأي منهما بما ينال من قيم العدالة والمساوة.
* اللغة المستخدمة: يجب عدم استخدام لغة مهينة، أو تتضمن تمييزًا عند التحدث عن قضايا المرأة، والمساواة بين الرجال والنساء.
* تجنب التحرش والتمييز: يجب تجنب أي شكل من أشكال التحرش، أو التمييز على أساس الجنس أثناء التغطية الإعلامية.
* حماية الضحايا وتجنب اللوم: يجب إبراز آراء ووجهات نظر الضحايا، وتجنب إلقاء اللوم عليهم. كما يجب تقديم وجهات نظر متعددة حول القضايا الخاصة بحقوق النساء والرجال، وليس التركيز على وجهة نظر واحدة فقط.
* تجنب التحيز: يجب تجنب التحيز الشخصي عند تغطية القضايا ، وعدم التمييز بين المواطنين على أساس الجنس، أو الدين، أو المستوى الاقتصادي والاجتماعي.
* عدم استغلال الضحايا، الذين تعرّضوا لتحرّش جنسي، أو اعتداء، أو للعنف على أساس الجنس، أو كانوا ضحايا، أو لاجئين، أو أطفال وغيرهم، أو دفع مقابل مادي لعرض قضاياهم.
* العدالة: ينبغي أن يكون الصحفي منصفًا وعادلًا مع الأشخاص، الذين يجري مقابلات معهم. وفي حال كان هؤلاء من الذين تعرّضوا للعنف الاجتماعي، على الصحفيين حماية المصادر المعرّضة للخطر. ويجب أن يحصل الصحفي على موافقة مستنيرة، أي أن يكون الشخص الذي يقابله الصحفي مدركًا بكل تفاصيل التقارير وعواقب نشرها وبثها في وسائل الإعلام، ولا بدّ من إبلاغهم بالمخاطر المحتملة.


