أغسطس 12, 2026

مشروع الصحفيين لتداول المعلومات من مخرجات المؤتمر العام إلى البرلمان

بعد أكثر من 12 عامًا على إقرار الدستور المصري حق المواطنين في الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية، يعود ملف حرية تداول المعلومات إلى مجلس النواب عبر مشروع القانون الصادر عن نقابة الصحفيين. حيث أعلنت النائبة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، تقديمه خلال الأسبوع الأخير من دور الانعقاد الأول للفصل التشريعي الحالي، بعد حصوله على توقيعات 60 نائبًا، وفق ما أعلنته النائبة في لقاء مع صحفيين بنقابة الصحفيين.
ويأتي مشروع القانون في ظل مطالبات متزايدة بإقرار تشريع يضمن حرية تداول المعلومات، باعتبار إتاحة البيانات الرسمية أحد الأدوات الأساسية للحد من انتشار المعلومات المضللة والأخبار الكاذبة. ولا يتعامل المشروع المطروح مع تداول المعلومات باعتباره مطلبًا خاصًا بالصحفيين وحدهم، وإنما يضعه باعتباره حقًا للمواطن وأداة للرقابة على الإنفاق العام، ودعم الاستثمار، وتحسين أداء المؤسسات، إلى جانب تنظيم العلاقة بين حق المعرفة والمعلومات التي تستوجب الحماية.
وتنص المادة 68 من الدستور المصري على أن «المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب»، وتكفل الدولة حق كل مواطن في الإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، كما تلزمها بتوفيرها وإتاحتها بشفافية.
وتترك المادة للقانون تنظيم ضوابط الحصول على المعلومات وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، والتظلم من رفض إعطائها، إلى جانب تحديد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمدًا. كما تلزم مؤسسات الدولة بإيداع الوثائق الرسمية بدار الوثائق القومية وحمايتها ورقمنتها بعد انتهاء فترة العمل بها. وكان من المفترض أن يصدر القانون عقب دستور 2014 باعتباره حق دستوري، وهو ما أشارت إليه نقابة الصحفيين في توصيات مؤتمرها العام السادس عام 2024، عندما وصفت الحق في تداول المعلومات بأنه استحقاق دستوري «معطل» منذ إقراره.
من مشروع الصحفيين إلى البرلمان
يرتبط المشروع الذي أعلنت مها عبد الناصر تقديمه بمسودة مشروع أعدتها لجنة الحريات والتشريعات في المؤتمر العام السادس للصحافة المصرية، الذي عقدته نقابة الصحفيين في ديسمبر 2024.
وكان المؤتمر قد أقر ضمن توصياته ضرورة الإسراع في إصدار تشريع متكامل لحرية تداول المعلومات، يقوم على أربعة أركان: حرية الوصول، وحق الإتاحة، وتجريم المخالفة، وتنظيم التوثيق الدوري والإلزامي، مع التوصية بإحالة المسودة إلى مجلس النواب والحكومة والجهات المعنية.
كما خصص المؤتمر مائدة مستديرة بعنوان «حرية تداول المعلومات على ضوء الاستحقاق الدستوري وتطورات المهنة»، شارك فيها صحفيون ونواب وقانونيون وباحثون، ما وضع الملف ضمن أولويات النقاش التشريعي داخل الجماعة الصحفية.
من جهته قال الكاتب الصحفي محمد بصل، رئيس لجنة الحريات والتشريعات بالمؤتمر العام السادس لنقابة الصحفيين، في منشور على صفحته بموقع «فيسبوك»، إن تقديم مشروع قانون حرية تداول المعلومات إلى مجلس النواب يمثل خطوة مهمة باعتبار أن المشروع سبق أن أقره المؤتمر العام السادس للصحافة المصرية في ديسمبر 2024، ضمن مخرجات لجنة الحريات والتشريعات التي تولى إدارتها خلال أعمال المؤتمر.
وأوضح بصل أن المشروع عُرض للمرة الأولى خلال مائدة مستديرة موسعة في المؤتمر، وجرى نقاشه وتلقي ملاحظات بشأنه داخل نقابة الصحفيين، وكذلك خلال مناقشاته في لجنة تطوير الإعلام المشكلة بقرار من رئيس مجلس الوزراء، مشيرًا إلى أن المشروع أُدرج ضمن المقترحات التشريعية الرسمية الملحقة بتقرير اللجنة، إلى جانب مشروع إلغاء الحبس في قضايا النشر والعلانية وحزمة أخرى من التعديلات المتعلقة بقوانين الإعلام والصحافة والنشر.
وأشار إلى أن مشروع قانون حرية تداول المعلومات هو أول مشروع تتبناه نقابة الصحفيين ويدخل البرلمان رسميًا منذ سنوات، معتبرًا أن أهميته لا تقتصر على الصحفيين والإعلاميين، وإنما تمتد إلى المواطنين، والاستثمار، وتوثيق المعلومات، وحوكمة الإجراءات، من خلال مقترح إنشاء جهاز رقابي مستقل يتولى إدارة ملف تداول المعلومات ويمارس رقابته على الجهات والمؤسسات المختلفة.
ووجه بصل الشكر إلى النائبة مها عبد الناصر على تبنيها للمشروع، ودعمها له، وما أضافته إلى صياغته وبلورة فلسفته، إلى جانب سرعة تفاعلها مع القضايا المرتبطة بتنشيط المجال العام، كما وجه الشكر إلى أعضاء لجنة الحريات والتشريعات بالمؤتمر العام السادس، ونقيب الصحفيين خالد البلشي، والأمين العام للمؤتمر الدكتور وحيد عبد المجيد، ومحمد سعد عبد الحفيظ، لمشاركتهم في مراحل إعداد المشروع ومناقشته.
وأعرب بصل عن أمله في أن يحظى المشروع بدعم واسع من أعضاء مجلس النواب، أو على الأقل أن يخضع لمناقشة موضوعية والاستفادة من الأفكار التي يتضمنها، خصوصًا في ظل توقعات بطرح الحكومة مشروع قانون لمواجهة الشائعات. مشددًا على أن مواجهة الشائعات والأكاذيب لا يمكن أن تنجح من دون ضمان الحق في المعرفة والوصول إلى المعلومات وإتاحتها، معتبرًا أن توفير المعلومات الموثقة من مصادرها الأصلية يمثل شرطًا أساسيًا قبل الحديث عن مواجهة المحتوى المضلل.

ماذا عن مشروع القانون؟
ووفقًا لمسودة مشروع القانون التي حصلت «نقابة ميتر» على نسخة منها، يقوم المشروع على فلسفة أساسية مفادها أن الأصل في المعلومات العامة هو الإتاحة وليس الحجب، مع وضع استثناءات محددة للمعلومات التي تستوجب الحماية القانونية. ويحدد المشروع ثلاثة مستويات للإفصاح: الإفصاح العادي، والإفصاح المستمر، والإفصاح الفوري.
ولا يقتصر الحصول على المعلومات، وفقًا للمشروع، على تقدم المواطن أو الصحفي بطلب للحصول عليها، إذ يلزم الجهات العامة بالإفصاح الاستباقي والمستمر عن قدر من المعلومات والبيانات، بما يتيح الوصول إليها دون الحاجة إلى تقديم طلب فردي.
ويتضمن المشروع إلزام الجهات العامة بإنشاء مواقع إلكترونية مفتوحة للجمهور، واستمرار تشغيلها وتحديثها، بما يتيح القرارات والبيانات والمعلومات الأساسية دون اشتراط تقديم طلب فردي. مع التمييز بين مستويات مختلفة للإفصاح وتنظم مسؤوليات «مسئول المعلومات» داخل الجهات. كما يطرح المشروع إنشاء جهاز حماية تداول المعلومات، باعتباره جهة مستقلة تتولى متابعة تطبيق القانون والرقابة على التزام الجهات المختلفة بقواعد الإفصاح.
ووفق التفاصيل المنشورة عن المشروع، يتولى الجهاز كذلك التعامل مع التظلمات والشكاوى المتعلقة برفض الإفصاح، وإصدار أدلة إرشادية للجهات، والمساهمة في تدريب مسئولي المعلومات، ومتابعة عمليات الإفصاح والتحديث والمصادقة على المعلومات. ويأتي أهمية هذا المقترح في أن الحق في الحصول على المعلومات يفقد جزءًا كبيرًا من فاعليته إذا كانت الجهة التي تحتفظ بالمعلومة هي نفسها الجهة التي تقرر ما إذا كان يجوز للمواطن الحصول عليها.
هل تصبح «السرية» استثناءً أم قاعدة؟
لا يقترح مشروع القانون إتاحة جميع المعلومات دون استثناء. فبحسب التفاصيل المنشورة عن المسودة، توجد منظومة لتصنيف المعلومات وفق درجات للسرية، من بينها: متوسطة، وسرية، وسرية للغاية، وسرية وحساسة، مع تحديد مدد للحماية القانونية.
كما يتضمن المشروع حالات يمكن فيها إلزام الجهات بالإفصاح عن معلومات قبل انتهاء مدة الحماية، في ظروف محددة، منها تهديد السلامة الشخصية أو الصحة العامة، أو وجود شبهات فساد أو عدم تحقيق العدالة أو سوء الإدارة أو مخالفة جسيمة للقانون.
من جهتها وضعت النائبة مها عبد الناصر العلاقة بين تداول المعلومات وانتشار الشائعات في تصريحات صحفية لها في قلب مبررات المشروع. إذ قالت إن غياب المعلومات الرسمية يفتح المجال أمام تداول أرقام ووقائع غير دقيقة، مشيرة إلى أن المواطن يحتاج إلى مصدر رسمي يستطيع الرجوع إليه للتحقق مما يثار حول القضايا التي تمس حياته اليومية.
واستشهدت النائبة بأزمة الخطوط المحمولة المسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم، معتبرة أن توفير المعلومات الرسمية والأحكام القضائية والحيثيات الموثقة من شأنه أن يحد من القلق والشائعات التي تنتشر في مثل هذه الوقائع. وأكدت أن العلاقة بين الشائعات وحرية تداول المعلومات تحمل مفارقة مهمة فكلما قلّت المعلومات الرسمية المتاحة، زادت مساحة المعلومات غير الرسمية؛ وكلما زادت مساحة المعلومات غير الرسمية، أصبح التحقق أكثر صعوبة.
وتلفت مها عبد الناصر إلى أن المشكلة لا تتوقف عند المواطنين أو الصحفيين، إذ يواجه أعضاء البرلمان أنفسهم أحيانًا صعوبة في الوصول إلى المعلومات اللازمة لمناقشة بعض الملفات. وهذه النقطة تطرح سؤالًا أوسع حول العلاقة بين حق تداول المعلومات والرقابة البرلمانية.
وأضافت في تصريحات صحفية أن النائب الذي لا يحصل على البيانات الكافية حول ملف يناقشه لا يستطيع بناء رقابة فعالة على أداء الحكومة، كما أن أدوات الرقابة البرلمانية نفسها تعتمد في كثير من الأحيان على البيانات التي تقدمها الجهات التنفيذية. ومن ثم، فإن قانونًا قويًا لتداول المعلومات يمكن أن يغير طبيعة العلاقة بين البرلمان والحكومة والمجتمع، إذا منح أعضاء البرلمان والمواطنين والصحفيين أدوات قانونية واضحة للحصول على المعلومات. وتتوقع مها عبد الناصر أن تقدم الحكومة مشروع قانون موازياً، مشيرة إلى احتمال مناقشة المشروعين معًا.
ولم يكن مشروع القانون الحالي أول محاولة لوضع تشريع ينظم حرية تداول المعلومات في مصر؛ إذ شهد الملف منذ إقرار دستور 2014 عدة محاولات ومسودات أعدتها جهات حكومية ومؤسسات إعلامية وحقوقية، من بينها مسودة أعدها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عام 2017، بعد تشكيل لجنة متخصصة لإعداد مشروع القانون. كما رصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير، في دراسة نشرتها عام 2018، تعدد المحاولات الحكومية لإصدار القانون خلال السنوات السابقة، مشيرة إلى أن بعض هذه المحاولات جرى إعدادها في إطار حوارات مع المجتمع المدني، بينما ظلت مسودات أخرى غير معلنة.
وعاد ملف حرية تداول المعلومات إلى طاولة النقاش العام خلال الحوار الوطني في 2023، باعتباره أحد الاستحقاقات المرتبطة بالمادة 68 من الدستور، كما طرحت مؤسسة حرية الفكر والتعبير مشروع قانون لتداول المعلومات ضمن المقترحات المقدمة إلى الحوار الوطني، وتضمن المشروع إتاحة المعلومات باعتبارها الأصل، إلى جانب الإفصاح الاستباقي وتقليل حاجة الأفراد إلى تقديم طلبات للحصول على المعلومات. وفي العام نفسه، عقد المجلس القومي لحقوق الإنسان ورشة لمناقشة حرية إتاحة وتداول المعلومات، باعتبارها حقًا دستوريًا ما زال يحتاج إلى تشريع ينظم ممارسته.
ورغم تعدد هذه المحاولات والنقاشات، لم تتحول أي من المسودات المطروحة إلى قانون موحد ينظم حق الحصول على المعلومات، ليعود الملف مجددًا إلى البرلمان عبر مشروع النائبة مها عبد الناصر، مستندًا إلى مسودة أقرها المؤتمر العام السادس لنقابة الصحفيين في ديسمبر 2024.

Site Logo
موقع نقابة ميتر هو موقع متخصص في الشأن النقابي، أسسه مجموعة من الصحفيين المصريين أعضاء الجمعية العمومية لربط الجمعية العمومية بمجلس النقابة وخلق حالة من التواصل بينهما، للمساهمة في الدفع بالمجلس نحو المزيد من التطور والتعاطي مع قضايا الصحفيين، وأيضا لمساعدة أعضاء الجمعية العمومية في اختيار أفضل المرشحين لمجلس نقابة الصحفيين الذين يكرسون جهودهم لصالح المهنة والجماعة الصحفية.
© جميع الحقوق محفوظة نقابة ميتر ٢٠٢٣
متوفرة تحت رخصة المشاع الإبداعي، 3.0 يتوجب نسب المواد الى « نقابة ميتر » - يحظر استخدام العمل لأية غايات تجارية - يُحظر القيام بأي تعديل، تحوير أو تغيير في النص